عين القضاة

24

شرح كلمات بابا طاهر العريان

الاستعاذة بربّه : « اللّهمّ آت نفسي تقواها ، وزكّها أنت خير من زكّاها ، أنت وليّها ومولاها » « 1 » ، إشارة إلى ذلك . ودوام ما افتقر به العبد من الشرّ في دفعه إلى مولاه ، يوجب دوام الافتقار إليه ، ودوام الافتقار يستلزم دوام الالتجاء إلى الحضرة الربّانيّة ، وفي ذلك استغراق الروح في بحر الفتوح ، ولا تفضي المجاهدة إلى المشاهدة إلّا إذا كانت على وفق العلم ، وهذا سبب انخراط العلم ، والحقيقة ، والمجاهدة ، في سلك واحد . قال : ( من وجد حسّه في معنى الإشارة ، أو رأى نفسه في حقائق العبارة ، فعلمه دنياويّ . ومن احترق حسّه ، وأفنى نفسه في بحر الإشارة ، فعلمه لدنيّ ) . أقول : الحسّ هنا مجرّد الإدراك ، وفي غلبة الاستعمال إدراك آلي ، كالسّمع والبصر . يعني : علم العالم بمعنى الإشارة إلى التوحيد ، والعبارة عنه دنيويّ ؛ أي حادث قائم بحادث ، ومن أفنى ذاته وصفاته ، واحترق بنار الإشارة إلى مشاهدة العظمة والجبروت ، ورأى علم اللّه القائم بذاته ، فعلمه لدنيّ ؛ أي من عند اللّه ، قائم بقيوميّته . قال : ( العلم داعي الحقيقة ، والحقيقة داعي الحقّ ، ويجيب المجيب بداعي الحقّ ) . أقول : المراد بالحقيقة المشاهدة ، وبالحقّ اسم من أسماء اللّه سبحانه ، بمعنى الثابت الذي لا يتغيّر أصلا . وقوله : ( العلم داعي الحقيقة ) ؛ لأنّه يدعو إلى العمل الصالح ، وهو تزكية النفس ، وتصفية القلب ، وصفاء مرآة القلب يثمر الاستعداد ؛ لانعكاس أنوار المشاهدة فيه ، فيدعو إلى الحقيقة .

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب التعوّذ من شرّ ما عمل ، حديث رقم ( 2722 ) [ 4 / 2088 ] ؛ والنسائي في السنن الكبرى ، باب الاستعاذة من دعوات لا يستجاب لها ، حديث رقم ( 7864 ) [ 4 / 443 ] ؛ ورواه غيرهما .